ابن الجوزي
167
صيد الخاطر
ومن الغلط حفظ الكثير أو الحفظ من فتور ، فان القلب جارحة من الجوارح ، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل « 1 » ، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلا ، فكذلك القلوب ، فليأخذ الانسان على قدر قوته ودونها ، فإنه إذا استنفدها في وقت ضاعت منه أوقات ، كما أن الشّره يأكل فضل لقيمات يكون سببا إلى منع أكلات ، والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق ، ويعيد في وقتين من الليل والنهار ، ويرفّه القوى في بقية الزمان ، والدوام أصل عظيم ، فكم ممن ترك بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظ قد نسي ، وللحفظ أوقات من العمر ، فأفضلها الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان ، وأفضلها إعادة الأسحار وأنصاف النهار ، والغدوات خير من العشيّات ، وأوقات الجوع « 2 » خير من أوقات الشبع . ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة ولا على شاطئ نهر ، لأن ذلك يلهي ، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل ، والخلوة أصل وجمع الهمّ أصل الأصول ، وترفيه النفس من الإعادة يوما في الأسبوع ليثبت المحفوظ وتأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أياما حتى يستقر ثم يبنى عليه ، وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم ، وألّا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله ، ومن لم يجد نشاطا للحفظ فليتركه ، فان مكابرة النفس لا تصلح ، وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة فان للمأكولات أثرا في الحفظ . قال الزهري : ما أكلت خلا منذ عالجت الحفظ . وقيل لأبي حنيفة : بم يستعان على حفظ الفقه ؟ قال : بجمع الهم . وقال حماد بن سلمة : بقلّة الغم . وقال مكحول : من نظف ثوبه قلّ همه ، ومن طابت ريحه زاد عقله ، ومن جمع بينهما زادت مروءته . وأختار للمبتدي في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن فان أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة ، وهذا لأجل جمع الهم ، فان غلب عليه الأمر « 3 »
--> ( 1 ) الفصيح أن يقال : مائة الرطل . أو المائة الرطل . ( 2 ) يريد ما بين الطعامين لا وقت الجوع الشديد . ( 3 ) كما هي الحال في زماننا الذي كثرت فيه المغريات والمغويات .